محمد بن جرير الطبري
395
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
إنكار كل فريق منهم إنما كان إنكارا لنبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، الذي ينتحل التصديق به ، وبما جاء به الفريق الآخر ، لا دفعا منهم أن يكون الفريق الآخر في الحال التي بعث الله فيها نبينا صلى الله عليه وسلم على شيء من دينه ، بسبب جحوده نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . وكيف يجوز أن يكون معنى ذلك إنكار كل فريق منهم أن يكون الفريق الآخر على شيء بعد بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم ، وكلا الفريقين كان جاحدا نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الحال التي أنزل الله فيها هذه الآية ؟ ولكن معنى ذلك : وقالت اليهود : ليست النصارى على شيء من دينها منذ دانت دينها ، وقالت النصارى : ليست اليهود على شيء منذ دانت دينها . وذلك هو معنى الخبر الذي رويناه عن ابن عباس آنفا . فكذب الله الفريقين في قيلهما ما قالا . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ قال : بلى قد كانت أوائل النصارى على شيء ، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا ؛ وقالت النصارى : ليست اليهود على شيء . ولكن القوم ابتدعوا وتفرقوا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج : وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ قال : قال مجاهد : قد كانت أوائل اليهود والنصارى على شيء . وأما قوله : وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ فإنه يعني به كتاب الله التوراة والإِنجيل ، وهما شاهدان على فريقي اليهود والنصارى بالكفر ، وخلافهم أمر الله الذي أمرهم به فيه . كما : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يونس بن بكير ، وحدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة بن الفضل ، قالا جميعا : ثنا ابن إسحاق ، قال : حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، قال : حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ، أي كل يتلو في كتابه تصديق ما كفر به : أي يكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة فيها ما أخذ الله عليهم من الميثاق على لسان موسى بالتصديق بعيسى عليه السلام ، وفي الإِنجيل مما جاء به عيسى تصديق موسى ، وما جاء به من التوراة من عند الله ؛ وكل يكفر بما في يد صاحبه . القول في تأويل قوله تعالى : كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ . اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله بقوله : كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ، فقال بعضهم بما : حدثني به المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ قال : وقالت النصارى مثل قول اليهود قبلهم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ قال : قالت النصارى مثل قول اليهود قبلهم . وقال آخرون بما : حدثنا به القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، قال : قال ابن جريج : قلت لعطاء : من هؤلاء الذين لا يعلمون ؟ قال : أمم كانت قبل اليهود والنصارى ، وقبل التوراة والإِنجيل . وقال بعضهم : عنى بذلك مشركي العرب ، لأَنهم لم يكونوا أهل كتاب فنسبوا إلى الجهل ، ونفى عنهم من أجل ذلك العلم . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فهم العرب ، قالوا : ليس محمد صلى الله عليه وسلم على شيء . والصواب من